الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
164
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أو رجع واشمة أسف نئورها وقوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ . وأظهر حرف هَلْ بعد أَمْ لأن فيه إفادة تحقيق الاستفهام . وذلك ليس مما تغني فيه دلالة أَمْ على أصل الاستفهام ولذلك لا تظهر الهمزة بعد أَمْ اكتفاء بدلالة أَمْ على تقدير استفهام . وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم عند قوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ في أول سورة الأنعام [ 1 ] . واختير التشبيه في المتقابلات العمى والبصر ، والظلمة والنور ، لتمام المناسبة لأن حال المشركين أصحاب العمى كحال الظلمة في انعدام إدراك المبصرات ، وحال المؤمنين كحال البصر في العلم وكحال النور في الإفاضة والإرشاد . وقرأ الجمهور تستوى الظلمات بفوقية في أوله مراعاة لتأنيث الظلمات . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف - بتحتية في أوله وذلك وجه في الجمع غير المذكر السالم . أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أَمْ للإضراب الانتقال في الاستفهام مقابل قوله : أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ، فالكلام بعد ( أم ) استفهام حذفت أداته لدلالة ( أم ) عليها . والتقدير ؛ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . والتفت عن الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم لما مضى من ذكر ضلالهم . والاستفهام مستعمل في التهكم والتغليط . فالمعنى : لو جعلوا للّه شركاء يخلقون كما يخلق اللّه لكانت لهم شبهة في الاغترار واتخاذهم آلهة ، أي فلا عذر لهم في عبادتهم ، فجملة خَلَقُوا صفة ل شُرَكاءَ . وشبه جملة كَخَلْقِهِ في معنى المفعول المطلق ، أي خلقوا خلقا مثل ما خلق اللّه . والخلق في الموضعين مصدر . وجملة فَتَشابَهَ عطف على جملة خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فهي صفة ثانية ل شُرَكاءَ ،